
أسوأ عاداتي على الإطلاق. أنا مهمل و كسول. و في الفترة الأخيرة نال كسلي و إهمالي طظياتي الغالية. لست أدري كيف السبيل إلى الإعتذار، و...
طظ
هيهيهي
يقولون أن عاطفة المرء أكثر تعقيدا من تكوينه الإحيائي. قد تختلف معي؛ إلا أني لا أؤمن بتلك المقولة. قد يعزى ذلك إلى دراستى المادية البحتة. أو إلى ميلي الدائم إلى التبسيط أو قل التسطيح. إلا أني أجد عواطفنا لا تختلف كثيرا عن خلايانا و تفاعلاتنا الكيميائية المعقدة أصلاً. غالباً، العاطفة هي تفاعل كيميائي معروف و موثق. ببساطة، واحد زائد واحد يساوي... طبعا اثنين.
ما يجعلهما ثلاثة و أربعة، أو حتى ألفاً في حالة التعامل مع العواطف، هي تلك الآحاد الخفية. الآحاد التي نرفض تماماً مجرد اعتبارها موجودة في التفاعل العاطفي. إلأ أنها رغم أنوفنا جميعاً تضيف الكثير و الكثير، و تغير ناتج التفاعل بشكل درامي.
بينما كنت داخلاً المسجد اليوم لأداء صلاة الجمعة، كان "الإمام" قد اعتلى منبره منذ فترة، ووقف صارخاً بصوته المراهق المعتاد و لغته الركيكة المستفزة، محاولاً أن يقنع نفسه بأنه خطيب مفوًّه. المهم، ما كدت أجلس حتى سمعته يصرخ..
"لماذا تحب رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ ... حتى لا تكون منافقا."
هوت الجملة سحيقًا سحيقاً في أعماق عقلي الفارغ من الأفكار في تلك اللحظة، مصدرة دويّاً مفزعاً، و مثيرة الكثير و الكثير من الموجات في سوائلي البروتوبلازمية الساكنة.
بدأ الـ(شيخ) يُنَظِّر لمقولته مستشهداً بالكثير من الآيات و الأحاديث، و مبيناً "فرضية" ذلك الحب و إثم المقصرين فيه. ثم استرسل موضحا كيف أن حب رسول الله صلى الله عليه و سلم هو من شروط الإيمان، و من شروط تذوق حلاوته، إلى آخر ذلك مما ينتهي إليه القول في ذاك المقال.
ثارت في نفسي طوال الخطبة طاقة سالبة عارمة. و شعرت بالغضب الشديد و بالخيبة الثقيلة و أنا لا أستطيع أن أتبين مصدر تلك الطاقة السالبة؛ ذلك الامتعاض و الاستياء الغير مبرر عادة يورثني سحنةً مزرية.
وقفت أصلي شارداً، و يعلم الله فيم كان شرودي. في نهاية الصلاة، هممت أن أتقدم للإمام و أحادثه عم جال بنفسي، و ما شعرت به من كلامه الملقى على نحو عجيب. و بينما تراودني نفسي بهذا، إذ أرى الرجل و قد استدار و جلس ليختم صلاته. تسارعت أحماض معدتي الخاوية إلى حلقى، و علمت ألا أمل أمامي في محادثة هذا الشيء الجالس. كان يبدو مثل الفقمة تماماً، و قد التفت حوله بعض فقمات أخرى تشبهه. هممت بالانصراف مطلقاً الكثير و الكثير من "حسبي الله و نعم الوكيل" التي صارت خليلتي مؤخراً، و التي لا أكاد أطلقها حتى ترتد عائدة إلي مسرعة بلهفة.
و أنا على باب المسجد لاحظت شيخاً طاعناً في السن يتناول مكبر الصوت في ثقة و ثبات و يدعو للإمام باختصار ثم يقول..
"بارك الله في الشيخ الإمام، أردت فقط أن أذكر بشيء يبدو أنه فاتكم. لماذا أحب الناس رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ فالرجل لم يملك جنة يهب منها و يمنح. و مع ذلك ما رآه أحد إلا و أحبه، فما بال ذلك؟ المثير ..."
هنا تسمَّرت قدماي في الأرض، و وجدت نفسي اتصلب على باب المسجد واقفاً. استدرت ببطئ و اتكأت على الجدار متابعاً ما يحدث.
" أنه صلى الله عليه و سلم كان يبعث ذلك الشعور في قلب من حوله بأنه الـ(صديق). و ما رآه من أحد إلا و شعر بتلك الصداقة، تلك الروح المألوفة المتآلفة. و كان ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم دون غيره، لأنه صلى الله عليه و سلم اجتمعت فيه أربعة خصال لم يجتمعن لغيره..."
هنا بدأت الفقمات الجالسة تتملل، ثم بدأوا في الانسحاب من المجلس واحداً تلو الآخر. و أنا أنظر
"سعة العاطفة الإنسانية، و رقي الذوق، و متانة الأخلاق، و طبع الوفاء"
لست أدري ما حل بي ساعتها، غير أني شعرت ببرد على صدري، و كأنه أثر يد. و نظرت حولي فلم أجد أي من الفقمات المدعية في مكانه. ارتسمت على شفتي ابتسامة راضية و أنا أخرج من المسجد بهدوء و أسير متمهلا، و أنا أستمع للرجل في مكبر الصوت و هو يشرح تلك الخصال الواحدة تلو الأخرى بتوسع.
شردت قليلاً، و أنا أقطع الشارع تلو الآخر عائداً إلى المنزل و بدأت أتبين ما كنت أشعر به في المسجد رويدا رويدا.
الواقع، أن الحب لا يفرض. مهما كان المحبوب عظيماً و كريماً. إنه لا ينتزع، و لا يمكن أبداً أن يشعر شخص ما بالإثم لمجرد أنه لا يحب شخصاً/شيئاً آخر. و ما كان رسول الله ليفرض حبه على أحد عنوة، غير أنه صلى الله عليه و سلم ما عرفه أحد إلا و أحبه. حتى من لم يؤمن به و لم يصدقه إلى يومنا هذا، كل ما يحتاج إليه كي يصل إلى قلبك هوه أن "تعرفه".
ثم أنه من السفه أن تخاطب جماعة من الذين آمنوا به و صدقوه و ينظرون إليه كمثل أعلى بذلك الأسلوب المهترئ. إيه يعني، ينحبه يا نخش النار؟ أمال إحنا بنعمل إيه في الجامع يا عم الـشـ...يخ بس؟
ثم أنه كلما طالبنا باتباع سنته صلى الله عليه و سلم، ذكرنا بزوجاتنا و بناتنا، و أهمية إطلاق اللحى و حف الشوارب. و يجرؤ أن يدعي بمنتهى الصفاقة أن معصيتنا لرسول الله صلى الله عليه و سلم اليومية هي غالباً في العبادات. و ماذا عن المعاملات؟ و ماذا عن استشراء الفساد و التزوير و الرشوة و المحسوبية؟ و ماذا عن تفشي الألفاظ النابية و العادات السافلة بين كافة طبقات المجتمع؟ ثم ماذا عن انتشار الخنوع و الخضوع و الاستسلام و الجري خلف لقمة العيش الممسوحة بالذل و الهوان و العار كل يوم، لا يختلف فينا أحد عن أحد، لا رئيس ولا مرؤوس، لا "متدين" ولا "فاسق"؟ ماذا عن كل ذلك و أكثر منه؟ ألم تكن له صلى الله عليه و سلم سنة في هذا؟
ثم بعدها تتساءل عن الفراغ الذي يشعر به الشباب في عالمنا العربي و الإسلامي. و تتعجب لم قد يريدون التحول إلي مضحكي الملك، و هم يقلدون هذا و ذاك بملل و فتور. فرَّغت نموذجهم الخاص، ثم تريد أن تحرمهم أن يتخذوا نماذج أخرى؟ يا شيخ حرام عليك. لا ترحم ولا تخلي رحمة ربنا تنزل؟ سيبهم بقى في حالهم. طالما ما بتساعدهمش، ما تشعرهمش انهم مايسووش. و بلاش بقى وحياة الغاليين تقعد تفكرهم بمجد الإسلام و العروبة و النخوة و المروءة و الكلام اللي مش جايب همه ده. لن تورثهم إلا المزيد من الإحباط و كره الذات. فضلاً، إخرس.
مازالوا فاشلين. و بعد مرور مئة عام، مازالوا فاشلين في الدعوة. مازالوا لا يعرفون كيف يتخاطبون. و مازالوا لا يفقهون المقولة الأشهر "لكل مقام مقال". و الأعجب أنهم يدعون أنفسهم خطباء.
ياخي..
طظ
محجوب عبد الدايم
القاهرة 1930.







said:
said:
said:

said:






من الأردن