طُظيَّات محجوب عبد الدايم
ما أكثر الأيام التاريخيه هذه الأيام
أكتب معنا
 
تعلن أسرة حياتي دوت كوم عن فتح باب التقدم لكتاب جدد بالمسلسل العربي الأول على الشبكة العنكبوتية. اضغط هنا
نهاية الموسم الأول
مبروك يا جماعة، انتظروا تغييرات رائعة. كل سنة و انتوا طيبين
بقايا حلقة
-         " السلام عليكم و رحمة الله... السلام عليكم و رحمة الله "

-          "حرماً يا (رزق)!"

-          " جمعاً إن شاء الله يا ماما "

-          "يللا بقى علشان تلحق تفطر قبل ما تنزل"

    تعلقت قطرات الماء البارد بلحية (رزق) النامية، و هو يطوي سجادة الصلاة و يرسم على وجهه ابتسامة راضية بعد أن صلًّى الضحى. و دسَّ يده في جيبه باحثاً عن هاتفه المحمول، حتى وجده، فأخرجه متفقداً الوقت. و انعقد حاجباه و هو يحاول القراءة بدون عويناته، ثم ارتسمت على وجهه ملامح عجيبة، تجمع بين القلق و السخرية و هو يسرع إلى غرفة المعيشة.

-          " لاااا فطار إيه بقى..ده يادوب الشاي " قالها و هو يرشف قليلاُ من الشاي الساخن

-          "شاي إيه يابني؟ دانتا ما اتعشيتش امبارح! اقعد كُل الله يهديك ! "

-         "معلش و الله يا ماما، أصلي متأخر جداً "

-          " طب عاوز فلوس؟ "

-         " لأ معايا "

-         " طيب يابنى، تروح و تيجي بالسلامة"

-          " السلام عليكم"

-          "و.."

    لم يبق ليسمع رد السلام. كان يتحدث و هو مسرع في طريقه إلى الخارج بالفعل. كان مندفعاً في طريقه كأنه ينزل منحدراً، و قد علَّق حقيبته على ظهره و دس يديه في جيبي معطفه الباهظ الثمن، بعد أن ارتدى عويناته. بدا مهيباً نوعاً ما، بقامته الطويلة و ملامحه التي بدا عليها أثر النعمة، لمع بياض بشرته الناصع تحت شمس الشتاء المملة، و تمايز بشدة مع لحيته و أثر السجود في وجهه. سار حثيثاً حتى بلغ الشارع الرئيسي، حيث وقف منتظراً أحد البكوات أصحاب سيارات الأجرة –كما يحب أن يدعوهم- أن يتعطف و يتكرم ليقلَّه إلى الكُليَّة.

  جلس داخل السيارة متمتماً بالكثير من الأذكار، طوال الطريق. لم يكن يطيق صبراً حتى يخرج من هذه العلبة الصفيحية المقرفة. دائماً ما أحنقه عدم امتلاكه لسيًّارة شخصية. و حيره كثيراً معارضة العائلة لرغبة كتلك، مع أنه ملتزم للغاية، و..

      هنا وصلت السيارة فقطع ذلك حبل أفكاره، حتى أنه لم يكد يصل إلى مدخل الكلية حتى نسى تماماً موضوع المواصلات، و ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة و هو يهرول عبر طرقات الكلية ملاحقاً شخصاً ما.

-         " قفشتك.." قالها (رزق) في مرح..

-         " مين؟ (رزق) خضيتنى يا شيخ.."

-         " ها ها ها  يا راجل؟ معلش يا سيدي..حقك عليا.. ازيك يا (صالح) عامل ايه؟"

-          " عامل ’عيشة ‘ اهوه، يعني هاعمل إيه يعني، الامتحانات ع الأبواب أهيه و لسه مافيش نيلة كتب "

-          " يييييه لازم يعني تفكرني ع الصبح؟ المهم، احنا عندنا ايه النهاردة؟ "

-          " تاريخ نظم و مدخل قانون"

-         " هممم.. إيه رأيك؟ أحضر المحاضرات دي؟ "

-         "نعم ياخويا؟ بقوللك الامتحانات كمان أسبوعين تلاتة، تقوم تسألني أحضر ولا لأ؟ أما نكته "

-          " أصل..."

-          " أصل إيه؟ ولا تكونش حضرتك طالعي في المقدر جديد و هاتعمللي روميو"

-          احمر وجه (رزق) و هو يجيب بانفعال " صالح، انتا عارف كويس اني مش بتاع الكلام الفاضي ده."

-         " طيب طيب، ما تعمليش فيها (خضرة الشريفة) بقى و تزعق، خلاص فهمنا يا عم الشيخ" قالها (صالح) مقهقهاً

-         " (صالح)!!!!!!! " علا صوته أكثر، و قد شاب غضبه الكثير من الضحك هذه المرة

-         " ما قولنا خلاص يا عم الشيخ. يللا روح شوف انتا كنت عاوز تتصرمح فين"

-         " طيب خدلي الغياب انتا بقى"

-          " ماشي، بس خلليك فاكر الجمايل دي !"

    سار (رزق) مسرعاً و قد صعدت شمس ديسمبر قليلاً في السماء، فبدأ جبينه يتفصد عرقاً. مما اضطره إلى خلع وشاحه الأزرق المميز. كان يسير حاملاً نصف ابتسامة جوفاء و هو يفكر في (صالح). ذلك الدودة، عاشق الكتب. دائما ما أثار اعجابه و استفزازه معاً. كان (صالح) يتميز بلا مبلاة عجيبة، و قدرة غير بشرية على النقد و التحليل دون أدنى اكتراث للنتائج التى يصل إليها. (صالح) لم يكن ميسور الحال، كما لم يكن وسيماً بالمرة، إلا أنه أصبح بسهولة شديدة محل اهتمام و اعجاب معظم الزملاء، خاصة الفتيات، كان ذلك يستثير حفيظة (رزق) بشدة. و كان دائما مثار الكثير من الجدل بينهما. فبينما تمسك (رزق) بمبادئه الريفية المحافظة في إنه "عيب و مايصحش العلاقات الكتير دي مع البنات يا (صالح)" جادل (صالح) بأنه " مافيش مشكلة يا (رزق)، أما انتا قفل صحيح، هوه انتا يابني شايفني بعاكسهم لا سمح الله؟ دول زمايلي، و عادي لما أكلمهم". كان (رزق) يعرف في قرارة نفسه أنه يحسد (صالحاً) بعض الشيء، إلا أنه كان يحبه كثيراً أيضاً.

   كان يطوي وشاحه و هو يدسه في جيبه بينما انحرف يميناً، ثم اتخذ طريقاً مستقيماً إلى الهدف، كلية الطب.

-         " و ما شأنك أنت؟ أنا حرة ! أقول ما يعجبني، وقتما يعجبني" قالت (ميراندا) في حدة

-         " و ماذا عني؟ "

-         " ماذا عنك؟ لقد قلت لك من قبل، انتهى كل شيء"

-          " و مشاعري؟ "

-          " مشاعرك؟ و متى راعيت أنت مشاعري؟ و لم قد أجعلك تشعر بأي شيء على كل حال؟ "

....

-          " لا تلمسنى !" صرخت في عنف و هي تدفعه..

....

-          "توقف ! لماذا لا تتكلم؟ و ما هذا الطنين الغبي؟ قلت لك توقف ! "

صرخت مرة أخرى" توقفففف!" و هى تندفع إلى الأمام بعنف حتى أنها سقطت من فوق السرير.

   فتحت عينيها في بلاهة الصباح المعتادة التي تميزها، و تجعل ملامحها ألطف ما يمكن. وجدت نفسها ترقد بجوار السرير محدقة في السقف، و صوت المنبه يطن بغبائه المعروف. أغلقت عينيها مرة أخرى بشدة، ثم فتحتهما و هي تسب و تلعن، بينما حاولت النهوض بصعوبة من سقطتها. أخرست يدها صوت المنبه في لمح البصر، و عبرت الغرفة مترنحة إلى الحمام، حيث قضت حوالى الساعة تعتني بنفسها جيداً. كانت تعشق الحمامات المعطرة الدافئة أيما عشق، حتى أنها كانت لتقايض أي شيء لتحصل على واحد منها على الأقل يومياً.

   كانت خارجة من الحمام للتو عندما ارتفع صوت الهاتف في حجرتها. فأسرعت بخفة و التقطت السمَّاعة في صمت.

-          " صباح الخير..أستيقظت بعد؟" قال الصوت المألوف بانجليزية ثقيلة

-         " ها ها ها طبعاً، صباح الخير، كيفك؟" ردت (ميراندا) بعربية مضحكة

-          " إيــه؟ إلك تحكي عربي متل أهل مكة !" رد الصوت بخبث

-          " ها ها ها، جاهزة ننزل؟ "

-          " اوكي، بس بدور ع الشوز تبعي، بقالي نص ساعة بلفلف عليه"

-         " طيب طيب، أنا بكون جاهزة كمان نص ساعة، سيي يو "

-         " اوكي باي"

   وضعت السماعة، و أخذت تحدق في الفراغ هنيهة. كانت شاردة الذهن تفكر في هذا الكابوس المزعج الذي لم ينفك يطاردها. قامت تعبث بشعرها الناعم في شرود، و اتجهت إلى المرآة ببطء. لم تكد تر وجهها الشارد حتى تبسمت في خبث و همست " بُوينوس دِيَاس! هيهيهي " . نسيت شرودها بسرعة و هي تضع زينتها بعناية، و بلمسات قليلة كانت قد انتهت من ذلك. كانت ترتدي ملابسها المنمقة و هي تعد افطاراً أقل ما يقال عنه أنه معدوم الوزن، من اللبن و النواشف، عندما دق الهاتف مرة أخرى. اتلقطت السماعة بفم نصف ممتلئ.

-          " ممم..."

-          ......

-         " اوكي..مم..باي"

كانت في عجلة، إلا أنها توقفت طويلاً لتختار أي حذاء ترتدي. استقرت على حذاء رياضي بسيط، و همست " الكثير و الكثير من الوقوف اليوم". و انطلقت إلى الأسفل.

    دلف (حسين) إلى المنزل في هدوء، كانت الساعة لم تتجاوز الثامنة بعد. جلس في الردهة يحاول خلع حذائيه في إرهاق عندما سمع صوتاً أنثوياً يناديه..

-         " (حسين)؟ انتا جيت يابني؟"

-         " أيوه يامَّا..أنا هنا أهوه"

-          " طب أعملك تفطر بقى"

-         "لا لا يامَّا.أنا داخل أنام طوالي"

-          .... " مالك يا (حسين) يابني، صوتك متغير"

-         "..أ..أبداً يامَّا..هيكون فيه إيه يعني..مانا حلو أهوه"

-          " نعم؟ هوه أنا لسة هاعرفك النهاردة يا (حسين) يابن (عبد الواحد)؟"

-          "يامَّا مافيش..مشاكل شغل..بقوللك، لو (عبده) اتصل بيه و انا نايم...أقوللك؟.....ولا حاجة. ماحدش يصحيني و خلاص. أنا داخل أنام، سلام بقى"

دخل غرفته بعصبية، و أغلق الباب خلفه في إحكام. جلس إلى طرف فراشه و هو يزفر في عنف. "أنا إيه اللي نيلته ده؟ احنا مالنا و مال الناس بس، يعني كنت ترضى حد يتتريق عليك و انتا في حالة زي حالة ست (داليا) دي؟ يا شيخ حرام عليك.."

  قام فبدل ملابسه بسرعة، و عاد إلى الفراش بذات الوجه العابس. حاول ان يسترخي في الفراش إلا أنه لم يستطع على الإطلاق. فقام ثانية و قد عزم أمره.

    اتجه إلى غرفة المعيشة حيث الحاسوب المستعمل الذي اشتراه منذ عام. جلس الى الجهاز و أداره، و هو يتلفت في توجس. ثم قام خلسة و انتزع قابس الهاتف لييشبكه بالجهاز و بدأ محاولات الاتصال بالشبكة المضنية. تهلل وجهه للمرة الأولى منذ ساعات، عندما أضاءت الأيقونة المضحكة في ركن الشاشة دالة على الاتصال الهش. أسرع إلى بريده الإليكتروني في لهفة ليفتح مدونة (عبده) و منها أخذ يدخل إلى المدونات بنفس التتابع الذي فعله ليلاً حتى أهتدى إلى مدونة (داليا). فأشرق وجهه تماماً و هو يضغط رابط التعليقات، كان ينتوي ترك اعتذار مهذب بدون اسم أيضاً، في محاولة يائسة لتسكين ضميره الذي أخذ يحرقه بشدة طوال الطريق من المشفى إلى البيت.

" رنا: مجهول أصلا نحنا كلنا عارفين مين انت عيب عليك "

اسودَّ وجهه بغتةً، و أسقط في يده. لم يدر ما يفعل، و أغلق الجهاز في شرود، حتى أنه نسي أن يعيد قابس الهاتف إلى مكانه. و توجه إلى غرفته شبه مترنح. جلس إلى طرف فراشه مرة أخري في وجوم و هو يهمس "هما فاكرني مين؟ الواد بتاعها و بيتسلى عليها؟ يا حول الله" استلقى على ظهره، و جذب الغطاء حتى صدره. شرد قليلاً محدقاً في السقف قبل أن يتعلق النوم بأطراف جفنيه فيغلقهما بسحره القديم. إنها الاندورفينات تعمل.

 

كان هذا جزء من حلقة، الباقى يحتاج الكثير من عمليات التجميل، الباقى كان عن حسام، و طبعاً ماعادش ينفع ببصلة. أنا قولت أنشر اللي فاضل قبل مايتشوه هوه كمان، و من هنا و رايح مش هاكتب إلا لما يكون عليا الدور.
البركة بقى في (ملائط) تشوف هتنشر الحتة دي فين.       

 

الحلقة الرابعة و التسعون بعد التسعمائة و ألف، يللا بقى
 
  ارتفع صوت الرعد في تلك الليلة من ليالي ديسمبر القارص مغطياً ضوضاء القاهرة المميزة. و ضرب ضوء البرق الساطع نوافذ المستشفى الجامعي بشدة، أجفلت ذلك الجسد المرهق المتكوم بالداخل على مكتبه. تحركت يداه متحسسة طريقها في الظلام الي مقبس المصباح الوحيد بالغرفة. أخذت الغرفة ترتعش بالضوء الأبيض الفاتر مرات عدة قبل أن يضيء المصباح بغباء. و تململ صاحب الجسد في جلسته، ثم حك ذقنه في دعة و هو يحدق عبر زجاج سطح المكتب إلى تفاصيل وجهه المملة.

  " إيـــه و الله و عجزت بدري يا (حسين) " قالها مبتسماً في مرارة و هو يتأمل وجهه الأسمر المستدير يحمل ذات الأنف المميز، و قد كسته خصلات من شعر ذقنه مما أعطاه مظهراً رجولياً محبباً. خلع عويناته المستطيلة في إرهاق و هو يمرر أصابعه الطويلة في شعره المموج، فندَّت له بضع خصلات بيضاء. فمط شفتيه بامتعاض، و تمتم " هوه اللي بنشوفه شوية برضه؟ ياللا بقى حسن الختام " ثم انطلق يقهقه قهقة مكتومة احمرَّ لها وجهه. إذ أنه لم يكن قد تجاوز عقده الثالث بعد.

   عد (حسين) بعض الوثائق على سطح مكتبه المزري، و أعاد كتابة بعض التذاكر المهترئة. ثم دس سماعته في جيب معطفه الأبيض و نهض متفقداً الغرفة بلا مبالاة. و ما لبث أن اجتازها كلها بخطوة واحدة كعادته مقتحماً طرقات القسم بعنترية. كان قد اعتاد منذ أيام سنة الامتياز أن يقوم بالمرور على كل العنابر في القسم بنفسه، بدأب يحسد عليه. لم يكن يظهر أي تململ من صراخ الأطفال، أو نظرات الممرضات المعنِّفة على مقاطعة غفواتهن المسترقة قرب الفجر؛ للمرور. لم يكن بتلك الليلة عددا يذكر من المرضي. حتى أنه انتهي من المرور قبل أن يبدأه.

   عاد (حسين) إلى الحجرة يجر رجليه جراً، و قد بلغ به الملل كل مبلغ. انهار على كرسيه في عنف و هو يزفر" أفففف.. حتى مافيش شغل، ده إيه القرف ده؟ يعني لا اشوف مصالحي، ولا اشتغل؟ أقعد كده زي الشوال؟ ده غلب ايه ده بس يا ربي؟ أنا غلطان م الأول..ماكانش لازم أقبـ.." قطع حديثه الخافت لنفسه عندما وقعت عيناه على الحاسوب بركن الحجرة. كان يرقد هناك في دعة كأنه لم يوجد من قبل. ارتفع حاجباه الكثَّان و هو يتأمل الكتلة الصفيحية بتمعن. ثم جر كرسيه إلى ركن الحجرة بقرب الجهاز، و ضغط الزر.

    ارتفع صوت الهاتف المستفز بحجرة (ميراندا سانشيز). فامتدت يد هذه الأخيرة بسرعة من تحت الأغطية الثقيلة لتلقط السماعة الباردة في رشاقة ووضعتها على أذنيها، فاقشعر لذلك جسدها الرياضي. و قالت في تململ باسبانيتها الخليطة " ألو، مين الغبي؟". أتاها عبر السماعة صوت يتحدث بالعربية و بلكنة أردنية قِحَّة. كان يتحدث بتردد سائلاً عن شيء ما، أو ربما هو شخص ما. انعقد حاجباها في بلاهة، ثم لم تلبث أن اغلقت الخط في وجه المتحدث. و تقلبت لتكمل نومها في شراسة متمتمة " ماذا كان يقول هذا المعتوه، إن عربيَّته لا تكـ.." اتسعت عيناها بشدة و هي تردد "عربيَّته؟" قفزت خارجة من السرير متجهة الى النافذة في ذعر. أزاحت الستائر، و ألقت نظرة مذهولة على المدينة.

  ندَّت منها ضحكة قصيرة و هي تتفهم الموقف. اتجهت الى المطبخ و أخرجت علبة لبن منزوع الدسم صبت لنفسها منها ما لا يتجاوز نصف الكوب، ثم احتضنته في تلذذ و عادت تجلس على الأريكة بمواجهة النافذة و هي ترتشف برقَّة. أخذت تتأمل المدينة الناعسة في هيام، و هي تتبسم. تمتمت لنفسها " ما بالك لا تكفين عن الترحال؟ لم نبق في المدينة الأخيرة أكثر من شهر، (ميراندا). أعتقد أنه آن الأوان لنستقر قليلاً. غداً أتقدم للجامعة هنا. تبدو المدينة رائعة. تستحق سنة كاملة، أليس كذلك؟"..

  ضحكت من سذاجتها إذ تحدث نفسها بهذه الطريقة الطفولية. و تذكرت أيام كانت تمرح في كنف والديها حيث عوداها الترحال الدائم. تذكرت كيف أن أكثر مدة بقيتها ببلد ثابت كان سياتل بالولايات المتحدة لبضعة سنوات لا أكثر. تعجبت دائماً من قدرتها على تحويل تلك البلاد المتمايزة الي صور لا أكثر. حتى أنها اختزلت المكسيك في صورة واحدة التقطتها هناك. و..

  قطع حبل أفكارها رنين الهاتف مرة أخري. فمدت يدها عبر الأريكة و تمطأت بمرونة حتى أمسكت بالسماعة، ثم انقبضت مرة أخري لتعود و هي ترد هذه المرة بعربية ركيكة، حاولت أن تودع فيها كل ما تعلمت من صديقاتها العربيات " أيوة يا عمي، انا ما بدي صد.." قاطعها صوت أنثوي ضاحك على الطرف الآخر " عمي؟  هلا و الله ..حلو كتير.. انا بصير عمي، و انتى بتصيري؟ " اطلقت (ميراندا) ضحكة طويلة و هي تتعرف صوت صديقتها" بصير ما بدي.."

  انخرطت الصديقتان في حوار محموم حول خطتهما لقضاء العام سوياً. و قضتا حوالي الساعتين تثرثران حول بعض التفاهات المعتادة. ثم تواعدتا لتتقابلا في الصباح أمام الجامعة.

   وضعت (ميراندا) السماعة جانباً، و قد علا وجهها ابتسامة بلهاء كبيرة، جرَّاء حديثها الطويل. حتى أن وجهها الفاتن قد بدأ يؤلمها، فأخذت تدعكه بكفيها قليلاً. ثم تفقدت وجهها في المرآة، و افتتنت قليلاً بجمالها الأخَّاذ قبل أن تعود لتتقوقع تحت الأغطية الثقيلة و هي تلقى نظرة طويلة عبر النافذة على ذلك الليل الفاتن. ليل (عمّان).

  استجابت الشاشة الفوسفورية بسلاسة لضغطة (حسين). و جرت عيناه عليها في تململ قبل أن يتنهد " طيب.. أشوف موضوع الإيميل اللي (عبده) قارفني بيه ده. إللا كل شوية يسأل ’ شوفت الإيميل؟ شوفت الإيميل؟ ‘ لما بقى ممل". و جرت أصابعه الخبيرة على اللوحة موجهة الكرتونة الصفيحية إلى داخل صندوقه الإليكتروني. " أهوه الزفت..." و فتح آخر ما وصله من رسائل. واحدة من موقع طبي، و الثانية إعلان من ياهوو، أما الثالثة فكانت رسالة (عبده). فتحها و قرأ بسرعة

  " حسين.. بص.. شوف اللينك ده و قوللي رأيك إيه

   http://****.*******.***"

ارتفع أحد حاجبيه ببطء و تمتم متشككاً " مقلب ده ولا إيه يا سي (عبده)؟" و ضغط الرابط. انبثقت نافذة جديدة، مما زاد توتره، إذ كان لا يستريح لمنظر تعدد النوافذ المفتوحة. و بدأت الصفحة تظهر شيئاً فشيئاً.

" مذكرات طبيب مطحون.. يكتبها العبد لله.."

   ضحك (حسين) في مرارة، و تمتم " والله عال؟ مذكرات؟ و كمان ع النت؟ هيه ناقصاك يا سي (عبده)؟ و ده إيه ده كمان؟؟" كان يحملق في بعض الروابط الملحقة بالمدونة، ثم ما لبث أن استغرق حتى أذنيه في تصفح المدونة تلو الأخري. ألهاه ذلك تماما عن طول ساعات ليل الشتاء القارص. حتى أنه أخرج من حقيبته بعض المكسرات و اخذ يتسلى بلا مبالاة لم يعهدها في نفسه من قبل. كان يمضغ ببطء عندما بدأ يقرأ..

"

كتبت داليا... " في 13 ديسمبر 2006

جرت عيناه على الأسطر بسرعة و تمعن، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة متشفيَّة لم تصل إلى قلبه. إلا أنه لم يستطع أن يمنعها أيضاً. مرت بعض الأحداث بذاكرته أسرع من وميض البرق الساطع بالخارج. ثم انقضَّت أصابعه الطويلة على اللوحة تنهبها نهباً..

" اكيد ما صدق لانك وحدة مملةةةةةةة هاهاهاها "

ثم أختار التوقيع "مجهول". ضغطت يده مفتاح الإدخال ببهجة، و راح يراقب الشاشة بتلذذ. هو لم يعلم وقتها لم فعل ما فعل. فقط يعلم أنه شعر برغبة شديدة بلطم تلك المشتكية ببعض العبارات اللاذعة، رغبة لم يدر كنهها. لم يكن لديه الكثير من الوقت ليحلل و يفسر، فقد أطفأ الجهاز بعد ذلك و أخذ يستعد للخروج. انها السادسة صباحاً، لقد انتهت الوردية.

 الشخصيات المذكورة خيالية و أي تشابه بينها و بين الواقع هو مجرد صدفة. و طبعاً مش هقوللكم ع الملهمين بتوعي.



<<الصفحة الرئيسية